السيد كمال الحيدري
32
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
ذلك قوله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( الأعراف : 204 ) ، فالإنصات يقتضي التفكّر والتدبّر . وإذا ما حصل ، يكون الفتح الإلهي التكويني لتلقّي الرحمات الإلهية ؛ قال تعالى : مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ( فاطر : 2 ) ، وقال تعالى : هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ ( الجاثية : 20 ) . 2 . البُعد التأويلي إنَّ مهامّ السُّلَّمية في بُعدها التأويلي أعمق بكثير من مهامّها التفسيرية ، نظراً لسعة دائرة التأويل ، وقد مرَّت بنا كلمة للإمام الحسين عليه السلام يُقسِّم فيها القرآن على أربع طبقات ، العبارة للعوامّ ، والإشارة للخواصّ ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء ، وهذه الطبقات الأربع تندرج الأُولى منها ضمن دائرة التفسير ، وهي العبارة ، وأما الإشارة فهي طبقة برزخية ، وهي أقرب للتأويل منها للتفسير ، وأما الطبقتان الأخيرتان فلا ريب باندراجهما ضمن دائرة التأويل ، فتكون المُحصّلة واضحة من حيث الضيق والسعة ، بل إنَّ مرتبة اللطائف ، وهي أُولى طبقاته التأويلية ، أوسع دائرة وأعمق مضموناً من العبارة والإشارة معاً ، فعالم المعنى والحقيقة لا تُقاس به عوالم الاعتبار ، ولا ينبغي الإغفال عن التعبير بصيغة الجمع عن ( اللطائف والحقائق ) ، في حين جاء التعبير بالمفرد عن ( العبارة والإشارة ) ، وفي ذلك دلالة واضحة عن السعة والضيق بين الأُفق التفسيري والأُفق التأويلي . وعلى أيّ حال ، فإنّ الوقوف على مهامّ سُلَّمية النصّ على مستوى التأويل يحتاج من الباحث أن يقف على نحو التحقيق والتحقّق « 1 » على عوالم الإشارة واللطائف والحقائق ليكون على بيِّنة من تلك المهامّ ، ونحن في هذه السطور
--> ( 1 ) مرَّ بنا في أكثر من مورد وجهُ الفرق بين التحقيق والتحقّق ، فراجع . .